منتدى حول جد الأشراف في المغرب العربي و شمال إفريقيا


    lمزيد عن الشيخ

    شاطر

    أبوبكر
    عضو جديد
    عضو جديد

    عدد الرسائل : 9
    تاريخ التسجيل : 11/03/2008

    مصحف lمزيد عن الشيخ

    مُساهمة من طرف أبوبكر في الإثنين يونيو 20 2011, 22:43

    نسبه الشريف
    هو سيدي محمد بن الحبيب بن عبد الله بن أحمد بن زيدان بن الصغير بن الجيلالي بن عبّو بن عبد الله بن أحمد بن أمحمد بن عبد الرحمن بن علي بن عبد المالك بن إبراهيم بن عامر بن عثمان بن إسحاق بن علي بن سيدي بوزيد الغوث (دفين آفلو و إليه ينسب لقب العائلة البوزيدية) بن علي بن موسى علي بن المهدي بن صفوان بن يسار بن موسى بن عيسى بن ادريس الاصغر بن ادريس الاكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن بن الحسن بن علي أبي طالب و سيدتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا النبي محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم.
    مولده و نشأته 1824م / 1239هـ
    ولد سيدي محمد بن الحبيب البوزيدي بجنوب مدينة مستغانم بقرية البساتين المعروفة الآن "بدبدابة" و بالتحديد بجنان "تكارلي" سنة 1824م / 1239هـ.
    أول نشأته نشأ تحت تربية أبيه سيدي الحبيب الذي كان من أشهر الفقهاء و العارفين بالله, إذ تلقى مبادئ التعليم منه ثم انتقل بعد ذلك إلى قرية "قيراط" بضواحي مستغانم و تتلمذ هنالك على يد العارف بالله الشيخ سيدي الشارف بن تكّوك فقرأ القرآن و علومه و الفقه و الحديث.
    سياحته و اجتماعه بشيخه 1844م / 1259هـ
    في هذه المدة, كان سيدي محمد البوزيدي يتفقد أهله من حين إلى آخر, و ذات يوم قصد السوق مع أبيه فقبضت عليه السلطات الاستعمارية الفرنسية بتهمة أنه يتسوق إلى المدينة و ينقل الأخبار لرجال المقاومة تحت قيادة الأمير عبد القادر الجزائري, و كان سبب هذه التهمة رجل عميل للسلطات العسكرية الفرنسية, فمكث رضي الله عنه في السجن بعض الأيام تحت التعذيب و كان عمره لم يتجاوز العشرين, ثم أفرج عنه بتدخل أخد أخواله "الخواخة" أي من بني "يخّو" ثم نصحه بمغادرة المدينة و إلا سيقتل, فغادرها متجها نحو الغرب الجزائري حتى وصل إلى تلمسان و نزل بضريح أبي مدين شعيب الأندلسي بالعبّاد وقد نقل سيدي أحمد ابن عليوة رضي الله عنه ذلك عنه حيث قال: إن سبب سياحتي إلى المغرب كانت ببركات أبي مدين شعيب وبإذنه وذلك أني بت ليلة في ضريحه بعد أن تلوت شيئاً من القرآن وإذا به رضي الله عنه قد أتاني هو ورجل من أجدادي (سيدي بوزيد بن علي الغوث دفين آفلو) فسلما علي ثم قال لي: "اذهب إلى المغرب إنني سرحتك ! ", قلت له: "إن المغرب كثير السموم والحيات (حِِّسًا و معنى) وإنني لا أقدر أسكنه", فأخذ يمسح على جسدي بيده المباركة وقال لي: "إذهب لا تخف إننا حفظناك مما يطرأ عليك !", فاستيقظت مرعوباً ومن ضريحه توجهت إلى المغرب فحصلت على ملاقاة الشيخ سيدي محمد بن قدور الوكيلي رضي الله عنه بزاويته بجبل كركر, ففتح الله على عين قلبه, فحصل على الفتح المبين و أصبح من المقربين لشيخه حيث قضى أربعين سنة من عمره في خدمته و لهذا كان رضي الله عنه كثيراً ما يأمر أتباعه بزيارة ضريح سيدي أبو مدين رحمه الله ويذكره بالفضل.
    توليه الإرشاد و إدارة أمور زاوية شيخه 1884م / 1299هـ
    لمّا قرب انتقال الشيخ سيدي محمد ابن قدّور الوكيلي رضي الله عنه إلى جوار ربه كان يردد هذه الكلمات: "أخذ البوزيدي الِقربة برباطها ! " و الِقربة هي وعاء من جلد الشاة للسقاية, و هذه إشارة واضحة بأن سيدي البوزيدي اخذ السّر من شيخه, ثم أذن الشيخ الوكيلي لبعض مريديه و الانصراف إلى أهلهم كسيدي عبد القادر بن عدة البوعبدلي دفين غيليزان و سيدي محمد بن مسعود من الغزوات و سيدي محمد الهبري دفين آحفير, ثم كلف من بعد ذلك سيدي محمد البوزيدي بأن يخلفه في مقامه و يشرف على زاويته و تربية أبنائه الصغار.
    عمل سيدي محمد البوزيدي بوصية شيخه, فكان معلما و مرشدا و موجها و حكيما في التربية و تلقين الإسم الأعظم و كان لما يكثر عنده عدد المريدين و لا يجدون مكانا مُعِدًا للجلوس و ليس للزاوية ما تفرشه لهم, يأمر بقطع القطف و هو نوع من الحشيش الأخضر الغليظ و يقول لهم: "أجلسوا, هذا سندس و إستبرق ! ", و بقي سيدي محمد البوزيدي على رأس الزاوية مؤدياً ما كُلف به بضع سنين إلى أن تصّدر أبناء شيخه بوشاية كاذبة و حسدا من بعض الأشقياء يتهم فيها الشيخ بأشنع الأعمال و حرضهم على قتل سيدي محمد البوزيدي لأنه كما يقول أخذ زاوية أبيهم و حّل مكانهم.
    لمّا علِم الشيخ سيدي محمد البوزيدي بذلك من أحد مريديه المخلصين, عزم على الرحيل و قال له: "هذه علامة الإذن و الانصراف حيث شاء الله و الحمد لله قد وفيت بما كلّفني به شيخي في تصدير أبنائه و الآن علمت علم اليقين أنهم قد بلغوا سن رشدهم فلا خوف عليهم".
    استقراره بوردانة و ظهور أمره بها
    ثم غادر سيدي محمد البوزيدي جبل كركر و زاوية شيخه بالليل و لا يمشي إلا تحت ظلام جناحه و كان لا يتحرك بالنهار لئلا يدركه طلاب قتله إلى أن وصل إلى قرية "وردانة" بإقليم الناضور فدخل على أهلها وقت العشاء بالمسجد و طلب منهم الضيافة فسألوه عن نفسه و من أين أتى و عن شغله و مهنته فقال: "إني فقيه و معلم الدين للصبيان", فلما أكرموه بالطعام, صلى بهم صلاة العشاء, ثم تأسفوا لعدم إيوائه بمنازلهم خوفا عليه من بعض الغارات لبعض القبائل و طلبوا منه المبيت بالمسجد و أخبروه بأن المسجد مسكونا من شيطان جان فتك بكثير من معلمي القرآن للصبيان, فقالوا له: "إن كنت كما تقول, فها أنت و المسجد و إلا انصرف لتنجو بحياتك", فأجاب: "و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله, أنا و هذا الظالم تجري علينا جميعا مقادير الله".
    فتفرق الناس إلى منازلهم و بقي سيدي محمد البوزيدي في غاية الأنس بالله حتى ظهر له هذا الشيطان في صوت مرعب يخرج من فيه و أنفه النار و الدخان, فتلا سيدي محمد البوزيدي سورة الإخلاص, فثبته الله بها و ربط على قلبه فكرر سورة الإخلاص و هو يوجه سبابته اليمنى حيثما تحرك الجان, فأحرقه الله تعالى بنور و بركة هذه السورة إلى أن صار الجان حفنة من رماد, ثم نام رضي الله عنه, و قرب الفجر قام و توضأ و تلا ورده من النوافل و صلى صلاة الصبح بالمسجد ثم جاء أهل القرية ليروا ما آل إليه حال الشيخ الفقيه فوجدوه في اطمئنان يذكر ورده, فتعجبوا و سألوه عمّا كان من الظالم فقال لهم: "لقد طهّر الله هذا المسجد منه" و أشار إلى تلك الحفنة من الرماد و قال: "أدفنوها ! ", ثم استأذنهم بالانصراف فقسموا بالله عليه ألا يذهب حتى يُعَلِّم أبنائهم و تقدم كبير القوم و إسمه محمد بن يحيى الورداني و عرض عليه إبنته فاطمة الوردانية فتزوجها سيدي محمد البوزيدي, و هنا في هذه القرية "وردانة" لُقِّب سيدي محمد البوزيدي بسيدي حمّو الشيخ لأن في شمال المغرب يطلق السكان الريفيون على من يحمل إسم محمد بِحمّو.
    انتشر خبر سيدي محمد البوزيدي و ما أجراه الله على يده من تلك الكرامة و عَّم الخبر جميع شمال المغرب, فلما سمع فقراء زاوية كركر بذلك ذهبوا إليه فأمرهم بالرجوع إلى زاويتهم قائلا لهم: "إنني لست من الماكثين هنا, بل أنا عازم على الرحيل إلى وطني", فصارت بعد ذلك قرية وردانة قبلة معنوية يتوجه إليها الناس لطلب العلم و تخرّج على يد الشيخ سيدي محمد البوزيدي شيوخ في علم الشريعة و علم التصوف منهم عدد كثير من العلماء و العارفين بالله.



    عودته إلى أرض الوطن حوالي 1894م / 1309هـ
    لما رأى سيدي محمد البوزيدي أن الدعوة إلى الله قد تمت و أقبل عليها جمهور غفير و نوَّر الله بها قلوب العباد و عمَّ النفع على البلاد, أدرك أن مهمته انتهت في هذه القرية فتوجه برفقة أهله نحو الجزائر و حطَّ رحاله بمسقط رأسه مستغانم, و سكن ببيت أمام مسجد سيدي يعقوب و كتم أمره و لم يدع أحدا إلى علم القوم, بل اكتفى بتعليم القرآن للصبيان و في هذه الأيام بالذات كان لقاءه بتلميذه سيدي الشيخ أحمد بن مصطفى العلوي و شريكه في التجارة سيدي بن عودة بن سليمان الذي كان أول من اتصل به حين تفرس فيه الإمامة و الدلالة على الله بالإرشاد.
    في يوم من الأيام, نزل على مستغانم ضيف من أجّل القوم معرفة من صفاقص ببلاد تونس حرسها الله, و كان أهالي مستغانم يحتفلون برجال الخير و العلم و الصلاح و يلتفون حولهم حتى صارت مستغانم تلقب بمصر الصغيرة, و رفع النداء من المنادي أن "سيدي محمد ظافر المدني الصفاقصي نازل بزاوية سيدي الحرَّاق بن كريتلي الموجودة بتجديت قرب ضريح سيدي السنوسي, فهلم للاجتماع و الانتفاع".
    أثناء حفل الاستقبال بزاوية سيدي الحرَّاق بن كريتلي الذي كان آنذاك على قيد الحياة و كان من أهل الخير و الصلاح ذا مال أنفقه جميعا في سبيل الله في المشاريع الخيرية و كانت مأدبة الضيافة للضيف التونسي و للحاضرين من الأهالي على نفقته, فتغيب سيدي الحرَّاق عن الجمع بعض اللحظات ليأمر ببعض الخدمات للضيوف, فناداه سيدي محمد المدني الصفاقصي بأعلى صوته: "يا سيدي الحرَّاق" 3 مرات, فرَّد عليه سيدي محمد البوزيدي الذي كان من الحاضرين في مؤخرة المجلس: "لا يكون الحرَّاق حرَّاقاً في طريقتنا حتى يحرق الكون من عرشه إلى فرشه ! ", فتعجب سيدي محمد المدني الصفاقصي من هذا الكلام و سأل من الرجل؟ فأجابه من كانوا بحاشيته من العلماء أن هذا يسمى بالبوزيدي الدرَّار أي أنه يعلم القرآن للدراري ( الصبيان), فأجاب سيدي محمد المدني: "بل هذا معلم للكبار فائتوني به", فتقدم سيدي محمد البوزيدي و جلس بقربه و تناقشا في علم القوم.
    و لما تبين في غاية الوضوح أمر الشيخ سيدي محمد البوزيدي للشيخ محمد المدني الصفاقصي, قام هذا الأخير خاطباً في الناس إعجاباً بأمر الشيخ البوزيدي ثم قال: "أيها الإخوان, غداً إن شاء الله يكتب كل أحد منكم في ورقة كل ما خطر بباله و يكتب إسمه و يأتي بها إلي", فكلف سيدي البوزيدي تلميذه سيدي أحمد العلوي أن يكتب في ورقة ما يخطر بباله, فلما كان الغد, حضر الناس و معهم الأوراق و وضعوها أمام الشيخ المدني, فأطلع عليها فوقف عند ورقة مكتوب عليها:



    إن شئـت بنظـرة تسقـي الأنـامو إن شئت بلمحة تمحي العالم





    فأمسكها بقبضة يده و قال: "خذوا هذه الأوراق و احرقوها بالنار" ثم قال: "من كتب هذه الورقة؟" قالوا له: "هو مريد ذلك الرجل الذي تكلم بالأمس", فتعجب من أمر أهالي مستغانم ثم بادر بالكلام جهرا بعد أن حمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله الكريم قائلاً: "يا أهالي مستغانم, كيف غفلتم عن رجل إمام عصره و واحد في زمانه, فو الله الذي لا إله إلا هو لو علمت أن رجل مثل هذا (و أشار باحترام إليه) موجود في هذه المدينة لا أدخلها و إن كان لا بد من دخولها فبإذنه...ثم ختم كلامه بقوله: يا أهل مستغانم, إن كان مرادكم الله فبلدتكم عامرة و أنا فلا تنتظروني بعد هذا اليوم ! ", فذهب سيدي محمد المدني و لم يرجع إلى مستغانم منذ ذلك الوقت.
    ففي هذه الليلة و وسط هذا الجمع الغفير ظهر من جديد أمر الشيخ سيدي محمد البوزيدي و تعلق به و تتلمذ عليه بعض الأفراد من أبرز و أخير و أطهر عائلات مستغانم, فشعر الشيخ البوزيدي بالوجوب عليه بالإرشاد على الله بمن تعلق به إيمانا و اعتقادا فأحيى من جديد الطريقة الدرقاوية و كثر تابعيه و خاصة العارفين من كبار الشيوخ من أمثال سيدي محمد بن يلس التلمساني شيخ الطريقة الدرقاوية بتلمسان و سيدي العربي الشوار من تلمسان كذلك و شيوخ آخرين من شتى نواحي البلاد الغربية و شمال المغرب و أشعت الدعوة البوزيدية بأنوارها الشرق الأوسط و القائمة طويلة و فتح الله على الكثير منهم و بفضلهم انضم إلى الطريقة الدرقاوية كثير من العروش و القبائل أمثال بني زروال و أولاد أحمد و السلاطنية و السدايرية و آل العتبي و جمع غفير من الخلائق أفرادا و جماعات.


    سلوكه و أخلاقه
    كان الشيخ البوزيدي معروفا و موصوفا بالزهد, أتاه يوما مريده الفقير إلى الله تعالى سيدي أحمد بن إسماعيل و قال لشيخه: "إن الحاكم للإدارة الفرنسية يطلب منك الحضور عنده", فرد عليه الشيخ البوزيدي: "مالي و الحاكم الفرنسي و ما حاجته عندي؟", فرد عليه: "مقابلة ودية و استطلاعية على حالك فقط", فجمع الشيخ قوته و أنفاسه و ذهب بشق الأنفس و لما وصل إلى مبنى الإدارة وجد رجلا من المستخدمين عند الحاكم ينتظره فأدخله عليه, و بعد دردشة قصيرة, قدم الحاكم للشيخ هدية تتمثل في برنسين موضوعين في ظرف, و عند خروجه من المبنى, مشى خطوات فرأى رجلا شبه عاري فأخذ برنسا و ستره به, ثم خطى خطوات قليلة و ظهر له رجلا آخر في حالة الأول فكساه الشيخ البرنس الثاني و رجع إلى زاويته, ثم جاء بعد ذلك مستخدم الإدارة الفرنسية ليطلع ما فعل الشيخ بالبرنسين فوجده على هيئته المعتادة, فسأل الفقراء و أخبروه ما فعل الشيخ مع الرجلين العاريين و ما قاله رضي الله عنه في ذلك: "جاء البرنسان من الله و عادا إليه و الله لا يضَّيع أجر المحسنين ! ".
    كان الشيخ البوزيدي لا يملك سوى عباءة أو جبة واحدة فقط, و جاءه ذات يوم فقراء من مريديه, فخرج إليهم مرتديا ثوب زوجته, فتحيروا و تعجبوا و سألوه, فقال لهم: "غسلت جبتي و ليس لي ما ألبسه إلا ما ترون", فلام الفقراء أنفسهم بالغفلة عن أبيهم الروحي و هم يلبسون أفخر الثياب و لكونهم خصوصا من كبار الأغنياء و الأثرياء بمدينة مستغانم, فتسارعوا كلهم و رجعوا من حينهم إلى شيخهم كل منهم حامل افخر الثياب و ما أخذ الشيخ إلا ثوب واحد و أمرهم بأن يتصدقوا بالبقية على ذويهم و أهاليهم المحرومين.
    كان الشيخ البوزيدي ذات يوم مدعوا إلى حفل زفاف, فأجاب الدعوة و حضر المأدبة, و جاء إلى العرس شيخ من شيوخ التبرك مع تلامذته, و قبل أن يدخل, أخبروه بأن الشيخ البوزيدي حاضر, فأقسم بالله أن لا يدخل المنزل هو و تلامذته حتى يخرج منه الشيخ البوزيدي, فاستشار صاحب العرس زوجته فأجابته: "سأصنع طعاما للشيخ البوزيدي يتغذى به هو أهله, فاصرفه بهذه الكيفية الجميلة", فلما أحضر صاحب العرس طبق طعام من كسكسي إلى الشيخ البوزيدي تقبله القبول الحسن و دعا للعريسين بالمودة و حسن المعاشرة على الدوام و لصاحب العرس بالخير و البركة و انصرف, ثم لم يقصد الشيخ البوزيدي منزله ليطعم بهذا الطعام أهله, بل أطلعه الله تعالى على سوء المعاشرة و العداوة التي كانت بين صاحب العرس و أخت له لم يدعها للحضور إلى العرس لتفرح بزواج ابن أخيها, فذهب إليها الشيخ البوزيدي و خرج إليه زوجها فقدم له الطبق و قال له: "إن صهرك, أخا زوجتك يعتذر لكما عن هذا النسيان و يدعوكما فورا إلى العرس, فلما سمعت زوجة الرجل كلام الشيخ البوزيدي غمرتها الفرحة و السرور و زغردت و ذهبت لتشارك في هذه الفرحة, ثم تساءل أهل الوليمة عمن دعاها, و ما عرفوا ذلك إلا من خلال الطبق الذي قدموه للشيخ البوزيدي حيث عاد إليهم مملوءا بالحلوة فعلموا بذلك صاحب الفعل الحسن و مصلح ذات البين.
    كان الشيخ البوزيدي يمشي ذات يوم بشارع معظم المحلات التي توجد به يملكها يهود, فسقط أمامه يهودي على الأرض و كان متقدما في السن, فأسرع إليه الشيخ البوزيدي و ساعده على القيام و هو يمسح عن ثيابه الغبار و وضع على رأسه قبعته مرددا كلمة: "لا بأس عليك, لا بأس عليك", فإذا التجار اليهود يندهشون من هذه المعاملة الحسنة من طرف رجل حامل لواء الشريعة المحمدية, و منذ ذلك اليوم, كلما مرَّ عليهم الشيخ البوزيدي حيّوه بأسمى التحية و التقدير و الاحترام.
    ذات يوم قال أحد مشايخ البركة للشيخ البوزيدي: "رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام, و قال لي إن البوزيدي من أصحاب النار, فرد عليه الشيخ البوزيدي بكل رحابة صدر و بوجه طلق و بالابتسام و البشاشة: "سيدي, أصحيح رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال بأنني من أصحاب النار؟ جازاك الله خيراً, فقد كنت أظن أن أمثالي ليسوا مذكورين عند رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا يعبأ بهم و لكن الحمد لله على كوني مذكورا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنه مهتم بذكري و أمري فهو الشفيع المشفع في العصاة و المذنبين أمثالي, جازاك الله عني خيرا و السلام عليكم".
    من بين فقراء سيدي الشيخ البوزيدي, سيدي مصطفى بن كريتلي الذي كان عضوا في مجلس الأمة زمن الإستعمار الفرنسي, فتهيأ ذات يوم في زيِّه الرسمي لاستقبال الوالي العام الفرنسي الذي كان في زيارة تفقدية لمدينة مستغانم, فأتاه شيخه سيدي البوزيدي و قال له: "أحمل عني هذه الحاويتين" و هي أمعاء الضأن بكبدهما و رئتهما و قلبهما, فحملهما و الدم يتقاطر منهما و الذباب يتطاير حولهما و سيدي مصطفى على قدر جلاله و عظمته في مجتمعه يتجول به الشيخ البوزيدي على تلك الحالة في أكبر شوارع مستغانم آنذاك, فلما وصلا إلى المطمر أو باب المجاهر الذي يفصل الحي الأوربي عن الحي الشعبي للسكان المحليين المسلمين, أوقفه الشيخ و قال له: "يكفيك يا بني, شكرا لك و أبشر لقد شفاك الله تعالى و عافاك من علة الكبرياء و العجب بالنفس و الإعتزاز و بالسلطة و الجاه, فنعم العبد لله أنت, إن الله تعالى جمع لبعض أنبياءه بين النبوة و الملك و لبعض أولياءه بين الولاية و الملك فما زادهم ذلك إلا افتقارا إلى الله تعالى و انكسارا له, مستمطرين رحمته و عافيته فيما بقي من أجلهم و عمرهم حتى يلقوه و هم أفقر الناس إليه سبحانه عّز و جّل, فتلك نعمة عظمى يتفضل الله بها على الذين أهّلهم إلى حضرة محبته و وداده التي لا يدخلها متكبر و أرضيت يا ولدي مولاك عّز و جّل و فزت بسعادة الدارين, حفظك الله و رعاك بعين رعايته فيما بقي من أجلك".
    في يوم من الأيام قدم على الشيخ البوزيدي مريد من البادية لزيارته و هو متشوق للأكل اللذيذ الذي سيأكله في ضيافة شيخه, فنهض به الشيخ البوزيدي من المقام الأسفل إلى المقام الأسنى إذ أتاه بصحن فيه فول و قال له: "تقدم يا ولدي و كل ! " ثم أشار إلى بطنه و استطرد قائلاً: "ما هذا إلا مصران ذو رائحة كريهة فملأه بما وجدت و انهض في طلب الله تعالى بذكره ليلا و نهارا فلعل رحمة الله تشملك فتجذبك من سباتك و غفلتك إلى يقظة المعرفة و مشاهدة أنوار ربك ببصيرتك, فإذا انجلى ليلك منك طلع نهارك و أشرقت شمس هدايتك فلا تأفل و لا تؤول و لا تزول أبدا حتى تلقى الله و هو راضي عنك".
    و قد كان يوما يتحدث إلى مريديه عن النفس و خداعها و أن لا يطمئن لها المريد إذا رأى فيها علامات الركون و التطوع إلى الطاعة إذ مكرها يفوق مكر الشيطان بأكثر من سبعين مكرا فلذا قال لهم ضاربا المثل بنفسه: "لا زالت تحدثني نفسي حديث الشباب و أنا قد بلغت ثمانين عاما و إني لأرى الشيطان يحتال لمخادعتي كما يحتال السارق بالليل على صاحب الدار".
    وقعت للشيخ البوزيدي واقعة مؤلمة في مصيبة و رزية إبنه الذي قتل خطأ في احتفال المولد النبوي الشريف رميا بالرصاص في إحدى حلقات طلق البارود فلما حضر سيدي الشيخ محمد بن الحبيب البوزيدي إلى مصرع ابنه ورأى ابنه ملقى على الأرض ودمه ينزف قال له أحد الحاضرين: "سيدي تعالى لأريك قاتل ابنك", فرد عليه لشيخ بهذه العبارة: "اذهب يا كلوفي فإن قاتل ابني أعرفه وهو الذي حكم على كل نفس الموت!" و حمل ابنه ميتا وأقيمت له جنازة ولم يرفع أي شكوى ضد قاتل ابنه ودفنه محتسبا بقول الله تعالى: "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا أ وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".


    كراماته
    من كراماته أنه كان سيدي مصطفى بن كريتلي المذكور سابقا أحد مريدي الشيخ البوزيدي في سفر إلى فرنسا برفقة فقير آخر و هو سيدي أحمد بن إسماعيل, فمرض سيدي مصطفى مرضا شديداً و كان سيدي أحمد بن إسماعيل يتردد على سريره مصحوبا بالأطباء عدة مرات و في المرة الأخيرة دخل عليه مرافقا الطبيب ليقدم له بعض العلاج للتخفيف من آلامه فإذا بهما يجدان سيدي مصطفى بن كريتلي قائما على رجليه و بصحة جيدة, فتساءل الطبيب: "أين المريض الذي هو في حالة الموت كما قلت لي؟", فرد عليه سيدي بن إسماعيل: "و الله لا أدري ما أقول لك, قبل لحظات كان في حالة الاحتضار في درجة حرارة عالية و هو يئن و الآن اندهشت و أنا أراه معافى", فتدخل سيدي مصطفى بن كريتلي قائلا لسيدي إسماعيل: "ادفع أجرة الطبيب و اصرفه و أخبرك بالذي جرى", بعدما خرج الطبيب ذكر سيدي مصطفى بن كريتلي لسيدي بن إسماعيل ما جرى له و هو مستبشر و في غاية الاطمئنان و هو يثني على الشيخ البوزيدي الثناء الجميل: "هل تدري من دخل علي قبلكما بوقت قليل؟ و هل تتخيل على أي مطية طوى المسافة التي بيننا و بين مستغانم؟ إنه شيخي الآخذ بيدي ملاذي في اليسر و العسر, إنه ذاك الخامل المتواضع الذي تحققت فيه العبودية لله و تحققت نسبتنا فيه, سيدي محمد بن الحبيب البوزيدي دخل علي و الباب مغلق فمسح على رأسي و جسمي كله و قال لي شفاك الله و لا بأس عليك و انقطعت صورته أمامي بتمام كلمة لا بأس عليك فنهضت كما رأيتني أنت و الطبيب".
    فلما عادا المسافران إلى مستغانم أخبرا الفقراء بهذه الكرامة فتعجب الجميع و قالوا أن الشيخ لم يغادر مستغانم و أنه حظر معهم الصلوات الخمس أثناء سفرهما, و عند ذلك تكلم فقير و هو سيدي حمادي بن قارة و كان من أكبر التجار في القماش و الملابس و سأل سيدي مصطفى بن كريتلي سؤال دقيق: "في أي يوم و في أي ساعة وقع ذلك؟" فذكر له اليوم و الساعة فاستطرد سيدي حمادي قائلا: "إن في هذه الساعة التي ذكرها سيدي مصطفى, دخل علينا في المحل سيدي الشيخ البوزيدي في حالة لم أعهده عليها, كان وجهه منقبضا و جبينه يتفصد عرقا و هو في حال اضطراب و قال لي: ناولني كأس ماء بسرعة فإن ولدي مريض, إن ولدي مريض, إن ولدي مريض, كررها ثلاثة مرات, فلما انتهى من شرب الماء قال: الحمد لله لا بأس عليه".
    ومن كراماته أنه كان له فقير من بين الفقراء الذين حفظت لنا ذاكرة التاريخ أسمائهم, سيدي الموفق بن عمر الذي كان يسكن بقرية المحافيظ من ولاية غيليزان, فقد كان يزور شيخه سيدي البوزيدي بمستغانم و يقضي في زاويته بعض الأيام, و في ليلة من الليالي بينما كان سيدي عمر ضيفا على الزاوية إذ بالشيخ سيدي البوزيدي يأتيه و يأمره بالانصراف إلى أهله عاجلاً, فعاد إلى قريته متسائلا لماذا أمره الشيخ بالرجوع و هو الذي كان يقضي عنده الليالي و الأيام فلا يضيق الشيخ بوجوده و ربما لم يعد له الحظ في صحبة العارفين بالله, أو أطلع الشيخ على شقاءه مستقبلا إلى غير من هذه الخواطر التي كانت في ذهنه حتى وصل إلى بيته في الصباح فاستقبلته زوجته معنفة له الكلام بصوت مرتفع قائلة: "كيف تتركني وحدي و قد جاء اللصوص في الليلة السابقة و فتحوا الباب و اخرجوا بعض الرؤوس من الضأن فرفعت صوتي طالبة الغوث فأخذ أحد اللصوص حجرا ليضربني به فجاء رجل كبير في السن و نزع الحجر من يده و رّد المواشي إلى مكانها و قال لي: "لا تخافي إنني معك ! " و أغلق الباب و ذهب باللصوص الثلاثة". و ما كان اللصوص إلا من أهل القرية و قد عرفتهم زوجة سيدي الموفق بن عمر الذي حمد الله و عرف سبب انزعاج الشيخ و الدافع الذي أمره بالرجوع.
    و لما خرج الشيخ البوزيدي في فصل الربيع للسياحة و وصل إلى قرية المحافيظ و اجتمع أهل القرية عليه, اشتكى سيدي الموفق بن عمر إلى الشيخ من اللصوص الثلاثة, فسال الشيخ اللصوص هل إذا كانت دعواه صحيحة؟ فردوا عليه بأنها اتهامات من غير حجة و لا برهان, فقال لهم الشيخ: "صحيح, كما هو شرعا الحجة على من ادعى و لكن اليمين على من أنكر, فهل تقسمون بالله أنكم أبرياء من هذه الاتهامات؟", فرد عليه الثلاثة بنعم يا سيدي, و هنا كشف الشيخ أمرهم قائلا: "توبوا إلى الله ! ", ثم أشار إلى أحدهم و قال له: "أنت من نزعت الحجر من يدك و التي كنت تريد أن تضرب بها زوجة سيدي الموفق و قد أخذتكم و أنتم لا تبصرون حتى طلع عليكم الصباح... إن اليمين الغموص هو القسم بالله على الكذب في حالة التعمد فهو أقبح عند الله من هذه المخالفة, لأنه يؤدي بصاحبه إلى الرّدة و هو الكفر بالله بعد الإيمان فيحبط الله جميع أعمال الخير و تصير هباءًا منثوراً, فأي المخالفة أحق, عصيان الله أم الكفر بالله؟ أتكفر بالله إن اقترفت المعصية ؟, و المعصية تُكَفَّرْ بالتوبة إلى الله تعالى, فاطلبوا العفو من أخيكم سيدي الموفق و استغفروا الله إن الله غفور رحيم", فاعترف الجميع بجرمه و تابوا إلى الله و طلبوا الصفح من سيدي الموفق و أخذوا الطريق على الشيخ البوزيدي و عاشوا و ماتوا ذاكرين بفضل الله تعالى.
    ومن كراماته أنه كان ذات يوم في سياحة مع سيدي بوزيد بن مولاي المقدم لقرية عتبة, فلما وصلا إلى قرية من القرى لم يرحب بهما أهلها ورموهم بالحجارة وأطلقوا عليهما كلابهم ليصدوهما عن دخول القرية فابتعدا شيئا عنها وجلسا تحت شجرة ولما غربت الشمس رجع المقدم سيدي بن مولاي إلى القرية و معه علبة كبيرة من حديد يستخدمها (كطبل) ودخل يغني بأعلى صوته قصيدة غزلية تطرب أسماع هؤلاء الغافلين عن الله فقدموا عليه وتسابقوا ظنا منه أنه شيخ السماع فجعل العلبة جنب أذنه اليمنى ونظر إلى السماء وجاب بالطول والعرض حلقة المتفرجين وهو يغني بأعلى صوته بالألحان المحبوبة لديهم, فالتفوا حوله ثم تكلم كبير القوم و قال: "أرجوك أن تسامحنا على سوء مقابلتك أول ما نزلت بنا اتهمناكم وظننا أنكم من هؤلاء الذين يأكلون أموال الناس بالباطل وباسم الدين ولم نعرف بأنك شيخ مغني الرجاء منكما أن تقضيا بعض الأيام عندنا فلنا عدة حفلات من زفاف وختان لصبياننا", فأكرموه غاية الإكرام ثم استأذنهم ليأخذ شيئا من الطعام لصاحبه وبعدما أكل الشيخ وشرب, قص عليه القصة و استأذنه للرجوع إلى القرية فقال له: "ارجع لأنهم اقبلوا عليك", فأجاب سيدي بن مولاي: "حاشا يا سيدي الشيخ بل أقبلوا على علبة من حديد فارغة".
    ورجع سيدي بن مولاي إلى القرية وهو يداعب عواطفهم بالأغاني الغرامية البدوية ولما رأى أنه ملك قلوبهم توقف عن الغناء قائلا لهم: "أليس من سوء حظكم وأسوء حالكم أنكم طردتم شيخا عارفا بالله من كبار المحققين صاحب الشريعة والحقيقة وكل من تعلق به وتوسل به إلى الله عز وجل خيمت عليه سعادة الدارين، وقبلتم على علبة فارغة ومغنيها فارغ فاستبدلتم العامر بالفارغ و الخير بالشر و النور بالظلمات و السعادة بالشقاء والحقيقة بالأوهام؟"، فعندئذ شعر أهل القرية بأنهم قد ارتكبوا ذنبا عظيما لا تكفره إلا التوبة إلى الله سبحانه عز و جل فطلبوا من المقدم بأن يأتيهم بالشيخ فقال لهم: "والله لا أفعل بل اذهبوا أنتم إليه و استسمحوه" ففعلوا ورجعوا به إلى قريتهم و جعلوه وسيلة إلى الله وأصبحوا من الذين أنعم الله عليهم بالخير العميم.
    ومن كراماته ذلك الحوار الذي جرى بين سيدي الحاج أحمد بن إسماعيل المستغانمي وصهره سيدي الحاج محمد العشعاشي التلمساني أحد مريدي الشيخ سيدي محمد الهبري المغربي وكل منهما أي المريدين يثني على شيخه بالثناء الجميل, وبما أن سيدي الحاج أحمد بن إسماعيل كان فانيا في شيخه قذف الرغبة في قلب سيدي الحاج محمد العشعاشي ليزور سيدي الشيخ البوزيدي ليطع على حاله عيانا ولا يكتفي بالسماع عنه وفعلا جاء سيدي الحاج محمد العشعاشي إلى مستغانم زائرا برفقة شخصين من كبار مقاديم الشيخ محمد الهبري و أثناء الطريق قال بعضهم لبعض: "إن زيارتنا هذه للشيخ البوزيدي على سبيل الإطلاع والفحص في حقيقة ولايته فإن كان من المقبولين عند الله المؤيدين بنصره فإنه يأتينا عند الغذاء بأكل خاص لكل واحد منا ", و ذكر كل واحد منهم ما يشتهي أكله.
    وعند وصولهم كان في لقائهم سيدي الحاج أحمد بن إسماعيل وأتى بهم إلى الشيخ البوزيدي فرحب بهم الشيخ وضيفهم بمنزله و ذهب إلى زوجته قائلا لها: "هذا سيدي الحاج محمد العشعاشي ورفيقاه من تلمسان فهل لك شيء نقدمه لضيوفنا فردت عليه بصوت عال سمعه الضيوف قائلة: "كيف تستدعي أهالي تلمسان وليس في بيتك بصلة واحدة!", فبينما هم جلوس مع الشيخ و هو يحدثهم عن عجائب قدرة الله التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء و كأنه يشير إليهم على ما أبطنوه في سر أنفسهم فإذا بطارق على باب بيت الشيخ فخرج وأتى بطبق فيه أكل للذي اشترطه وجعله بين يديه وقال: "هذا لك سيدي كما طلبته" و للمرة الثانية يطرق على بابه فيخرج الشيخ و يأتي بطبق فيه الطعام المطلوب كذلك و جعله بين يدي طالبه ويقول له: "هذا لك كما اشترطته علينا" ثم في المرة الثالثة كذلك حتى وصل إلى كل منهم ما اشترطه و تحققت رغباتهم جميعا وعلموا علم اليقين أن الشيخ محمد بن الحبيب البوزيدي من الراسخين ومن المشايخ الكُمَّل المؤيدين بالعناية الربانية و طلبوا منه الدعاء الصالح واستأذنوا في الانصراف فدعا لهم بالخير والصلاح ثم انصرفوا.
    ومن كراماته أنه كان له مريد شاب صغير من أقرباءه و هو سيدي الطيب بن طه حيث كان مبتدئا في حفظ القرآن وفي ليلة من الليالي نظم حفلا كبيرا فاجتمع طلبة القرآن ومشايخ وعلماء و بدئوا بتلاوة القرآن جماعة وكان سيدي الطيب إذ ذاك لا زال لم يحفظ القرآن كله فخرج من حلقة تلاوة القرآن وجلس مع باقي المؤمنين الذين لا يقرؤون فأخذوا في لومه و توبيخه: "أنت شريف من أبناء سيدي بوزيد ولا تجتهد في حفظ القرآن كفلان وفلان مشيرين إلى الذين كانوا في سنه, فأنت كسول لئيم تكره التعليم ولا يرجى منك خير" إلى آخره...فازداد غما على غم ولما رجع إلى البيت قال لوالدته في صباح الغد: "إني ذاهب إلى زيارة شقيقتي المتزوجة (في قرية تبعد عن مستغانم) فهل لك شيء من هدية أو زاد لأدخل على ابنتك السرور؟", فجمعت له والدته من الطعام و أخذ طريقا مغايرا متوجها إلى المغرب الأقصى وحط بطنجة حيث مكث فيها عدة سنوات و انقطع خبره و يئس أهله من العثور عليه.
    ثم مرت ثماني سنين, فبعث سيدي الطيب بن طه برقية إلى أخيه محمد الذي كان مقدم الشيخ البوزيدي بقرية سيدي خطاب يخبره فيها بأن الله قد فتح عليه بحفظ القرآن بالروايات السبع و التفقه في الدين ولم يبق له إلا الرجوع إلى ذويه وأهله ولهذا يطلب منه أن يبعث له بمال يمكنه من الرجوع إلى الوطن فجاء سيدي محمد بهذه الرسالة إلى الشيخ البوزيدي قائلا له: "سأبيع الفرس وأبعث بثمنها إلى سيدي الطيب ليعود إلينا", فرد عليه الشيخ: "لا تفعل والطيب سيعود الله به سالما!".



    ثم يروى سيدي الطيب لأهله ما جرى له بمدينة طنجة فقال : فبينما أنا في المسجد الذي أطلب فيه العلم حتى قوي عزمي كأنما قوة تجذبني إلى زيارة ميناء مدينة طنجة, فبينما أنا أتجول فإذا بي أسمع صوتا يناديني: "يا الطيب! يا الطيب!", فلما التفت رأيت رجلا متكئا على كرسي طويل بالزَّي التركي فسألني عن نسبي فقلت من أبناء سيدي بوزيد ثم سألني مرة ثانية أو تريد أن تذهب إلى مدينة وهران فأجبته بالإيجاب كدت لا أصدق هل أنا في يقظة أم في المنام فرد علي: "إن السفينة قد ذهبت إلى مدينة وهران وستعود يوم الأربعاء و ستسافر عليها إلى وطنك إن شاه الله", فرجعت إلى المسجد مبتهجا مسرورا حامدا الله وشاكرا له على هذه الملاقاة بهذا الرجل الكريم.
    فرجعت إلى الميناء مساء الثلاثاء ليلة الأربعاء, فوجدت نفس الرجل على هيئته فقال لي: "يا لطيب لقد وعدتك يوم الأربعاء فما أعجلك؟", فقلت: "يا سيدي والله خشيت أن أتأخر عن الموعد و تذهب السفينة و أتخلف عنها", فأخذ بيدي وذهب بي إلى الخبَّاز و اشترى لي خبزتن كبيرتين و ذهب بي إلى تاجر آخر و اشترى لي عسلا و زبدة وذهب بي إلى صانع الشاي فأمره ودفع له الأجرة مسبقا حتى قلت يكفي وأعد لي مكانا أنام فيه, وفي صبيحة الأربعاء عند الضحى وجدت نفس الرجل يتفاوض مع قائد الباخرة فدفع له الثمن وقال له: "خذ هذا إلى مدينة وهران", فأخذت متاعي وصعدت على مدرج الباخرة وأنا مغمور بالفرحة لم ألتفت إلى السيد الكريم فأشكره على صنعه الجميل فنادني: "يا الطيب نسبك نسبي!", ولكن رست بنا الباخرة في ميناء الغزوات وكنت أظنها وهران فنزلت بها مسرعا نتيجة فرحتي بالوصول إلى وطني.
    فلما وصل وقص القصة التي وقعت بينه وبين الذي تحمل عنه مصاريف السفر قال سيدي محمد لأخيه الطيب: "ذلك الرجل الكريم هو سيدي الشيخ محمد بن الحبيب البوزيدي جزاه الله خيرا على هذا الصنيع الجميل فحينما أردت أن أبيع الفرس وأبعث بثمنها إليك, أمرني أن لا أفعل قائلا "الطيب سيعود الله به سالما!".
    و من كراماته الجلالية أنه وقف أمامه رجل في السوق على مرأى ومسمع من الناس والشخص يعرف بأنه مقدم لشيخ من مشايخ التبرك يكن العداوة والبغضاء للشيخ البوزيدي و تكلم معه بكلام فاحش وقبيح ثم بصق على وجهه الشريف فما كان من الشيخ إلا أن مسح وجهه و انصرف, فما مضت إلا ليلة واحدة حتى ابتلى الله ذاك الظالم لنفسه بسرطان في وجهه وفي نفس الموضع من الوجه التي وقع فيه البصق فلم ينفعه أي علاج حتى مات و صورته مشوهة.
    و من كراماته الجلالية كذلك, أن رجلا من كبار التجار بالسويقة بحي تجديت, كلما مر عليه الشيخ البوزيدي وعلى حين غفلة من أمره يرميه ذاك الرجل بالمفرقعات فحينما تنفجر يذكر الشيخ الاسم الأعظم "الله" فيعجب المستهزئ هذا المنظر ويسليه ويقهقه ضاحكا مستهزئا بالشيخ, و الشيخ لم يقل له شيئا ولم يرد عليه ولو بكلمة واحدة، و في آخر مرة وقعت مثل هذه الواقعة بالنهار واحترق متجره بالليل ولم يبق له شيء, عافنا الله و المسلمين أجمعين من الأذى المباشر و الغير المباشر لعباده الصالحين.
    وأما الكرامات التي وقعت بعد انتقاله إلى الآخرة إلى جوار ربه فهي لا تحصر و إنما نقتصر على ذكر واحدة منها، وهي ما ذكره سيدي الحاج أحمد بن إسماعيل الذي كان من كبار التجار من مدينة مستغانم وله دكاكين ومخازن للبضاعة التجارية ففي ليلة من الليالي جاءت جماعة من اللصوص قاصدين المخزن المطمر ولما وقفوا عند باب المخزن وحاولوا أن يفتحوه انفتح الباب على مصراعيه وظهرت للصوص صورة الشيخ سيدي محمد بن الحبيب البوزيدي على هيئته المعروفة و هو يعاتبهم قائلا: "ألا تتقوا الله, أتخدعون أخاكم؟" وكررها ثلاثة مرات, عندئذ استحى اللصوص و أغلقوا الباب و انصرفوا و في صباح الغد ذهب رئيس جماعة اللصوص إلى سيدي الحاج أحمد بن إسماعيل وبعدما سلم عليه وأثناء الحديث الذي جرى بينهما قال رئيس اللصوص: "أبشرك إن أمنتني", فقال له سيدي أحمد: "عليك الأمان التام"، فرد عليه رئيس اللصوص: "نعم الشيخ شيخك فهو حريص عليك وعلى متاعك في الممات كما كان في الحياة" وقص عليه القصة فرد عليه سيدي أحمد بن إسماعيل بقول اله تعالى: "الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله, صدق الله العظيم", ثم قسم بالله: "ما شككت في أمر شيخي بأنه محمدي رباني".

    وفاته 1909م / 1327هـ
    اشتد بالشيخ البوزيدي المرض يوحي بالفراق و الأجل المحتوم و ظهرت عليه بشائر الرحيل وكان رضي الله عنه في ذلك المرض معقود اللسان عن النطق مع سلامة الفهم و شلَّ نصف جسده ولم تمر أيام قلائل حتى انتقل الأستاذ إلى رحمة الله، ولم يخلف عقبه إلا إبنا إلى الجذب أقرب منه إلى الشعور، يُدعى سيدي مصطفى الذي كان يُحبه محبة فارطة و قد كان عند وفاته يمد البصر إلى ابنه بما يعلمه من جذبه، وكان يخشى أن يُهمل بعده، ولما علم الشيخ العلوي ذلك منه قال له: "اكفنا أنت يا سيدي ما أهمنا من جهة الله تعالى، ونحن نكفيك من جهة سيدي مصطفى ما أهمك", فرأى السرور يلوح على وجهه، فانتقل رضي الله تعالى عنه إلى جوار ربه يوم الاثنين 25 أكتوبر 1909 م / 10 شوال 1327 هـ فوفدت الوفود من كل حدب و صوب من فقراء و علماء و مشايخ للتعزية و حضور الجنازة و صلى على جنازته الشيخ أحمد بن مصطفى العلوي ثم دفن بزاويته أمطر الله على قبره سحائب الرحمة وجلائل النعم و رثاه بقصيدة رائعة عظيمة من البحر الطويل:






    أشـكــو حـزنــي لـفـقـد عـــرش الـــولافقـيـد الــورى طـــرا والله كـــذا الـعـصـر
    فقـيـد حــل الـثـرى مــن بـعـد احتـوائـهعـلـى الـكـل فكـيـف بــه غـمـه العـمـر
    فقيـد كـان فــوق الـكـل و الـكـل دونــهفـيــا عـجـبـا كـيــف أحـــاط بـــه الـقـبـر
    فـمـا أحــاط هــذا الـقـبـر كـــلا و إنـمــاأخـــذ مـنــه رشـفــا فـنــال بـــه فـخــر
    و لتبـكـي عـيـن الفـتـى دمــا وبكـاءهـالـفـقــده أســفـــا و لــيـــس لــهـــا وزر
    فالـوزر جمـود العـيـن عــن فـقـد مثـلـهو الدمـع فيـه أجـر لعـمـري هــو الأجــر
    و ليبكه عرش الله و الكرسي و السماءو لتحيـى بــه الـثـرى فـصـار لـهـا ذخــر
    و يــا سـمـا أسـفـا فـهـل ينـفـع الـعــلأفلـو كنـت مـن أرض لكـان لــك الفـخـر
    و لا غـــرو إن شَّــــح الــزمــان بـمـثـلـهشمائـلـه جـلـت و ضـــاق بـــه الـصــدر
    حلـيـم كـريـم خـافــض الـطــرف زاهـــدهشوش بشوش دام في وجهه البشر
    صفـوح عــن الـعـذال لــم يـتـرك خلـفـهمــن قــال فـيـه زورا أو رأى فـيــه كـبــر
    حـريــص عـــن الـــورى يـجــود بـســرهو لا يـرجــو مـنـهـم تعظـيـمـا و لا أجـــر
    فــلا غـضــب لـديــه و لا قـبــض عـنــدهخـلـيـلـه إن زل يـلـتـمـس لــــه عـــــذر
    فـــمــــن ذا رأى أو عـــايــــن مــثــلـــهتالله لــواحـــد جــمـــع فــيـــه الــســـر
    بغيـتـي منيـتـي عمـدتـي ثــم غايـتـيكفينـي كفيلـي فـي المهالـك و المكـر
    البوزيـدي محمـد لـه مـن محمـد مـراثالإبــــن لـــــلأب و لــنـــا مــنـــه وفـــــر
    علـيـك رحـمـة الله مـــن بـعــد جمـعـنـاألَّـــم بـنــا الــفــراق و قــضــي الأمــــر
    سـلام عليـك و السـلام مـن الحـشـىيـعـم بـشـر الـطـيـب و الـنــد و الـعـطـر
    ناديـتـك والـفــؤاد يـخـلـج مـــن الـنــوىفهـذا مـداد العيـن قـد خـضـب السـطـر
    كتـبـت بـدمـع الـعـيـن مـــزج بـالأســىمـذيـل بالتـبـريـج و لـيــس فـيــه صـبــر
    و لست أبكي الفـراق مـن حيـث كنهـهو لكـن رسـمـك فــي العـيـن لــه قــدر
    جــزآك إلــه الـعـرش بالـقـرب و الـرضــاو حـاط بـك التعظيـم و الخـيـر و اليـسـر
    خلـفـت رجــالا فــي الطـريـق لصـونـهـافـكـنـت لـهــا بـــدر و هـــم لـهــا زهـــر
    ولا تحـسـبـن الـمــوت ذهـبــت بـســرهحـاشـاه و إنـمــا مـهــدت لـــه الـنـشـر
    أخـذنــا عـنــه عـلـومـا فــزنــا بـصـونـهـاو لـمــا حـــن الـزمــان تـعـيــن الـجـهــر
    فـــيـــا أهــــــل ودّه فـــزتـــم بــقــربـــهفأنـتـم مـلـوك الأرض للبـيـض و الـحـمـر
    أيـــا رب يـــا رب الأنـــام و يـــا ثـقـتــيفانشـر علـى قـبـره مــن عـفـوك سـتـر
    و صــل عـلـى أصــل الأصـــول ملـجـأنـانصيري مجيري في المواقـف و الحشـر

    المصادر
    - اقتباس من كتاب الأنوار القدسية الساطعة على الحضرة البوزيدية, لعبد القادر بن طه الملقب بدحاح البوزيدي شيخ الطريقة البوزيدية العلوية.
    - حياة الشيخ العلوي بقلمه.
    - للملاحظة: يوجد كتاب برهان الخصوصية في مآثر الحضرة البوزيدية للشيخ أحمد العلوي و هو مخطوط و لم يحظى بالطبع إلى يومنا هذا و هو موجود بمكتبة الأرشيف بالزاوية العلوية بتجديت, مستغانم.

    عن موقع احباب الشيخ احمد العلوي
    avatar
    خالدالبوزيدي63
    عضو ذهبي

    عدد الرسائل : 235
    أعلام :
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مصحف رد: lمزيد عن الشيخ

    مُساهمة من طرف خالدالبوزيدي63 في الجمعة يونيو 24 2011, 19:25

    بسم الله الرحان الرحيم
    أخي الكريم / أبوبكر
    جعلك الله ذخرا لأهلك على هذا التعريف الستفيض والماتع بالشيخ البوزيدي المجاهد محمد بن الحبيب البوزيدي المستغانمي الشريف اهل العلم والفضل والجهاد وكذلك أسرة مخاطرية البوازيد الشرفاء في مستغانم القائمين على الزاوية الرحمانية ولهم اجتماعات سنوية للتعريو بالبوازيد ولم الشمل يدعى لها البوازيد من شرق الجزائر وغربها ومن خارج الوطن بارك الله فيك وفي الأخ youcef على ماتقدماه من تراجم لاعلام نسيناهم ولكن التاريخ لم ينساهم يقول الشاعر ( اولئك أجدادي فأتوني بمثلهم @ اذا بزيد أو تميم) وشكرا

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يوليو 22 2017, 15:33